عبد الكريم الخطيب

323

التفسير القرآنى للقرآن

فلما جاءه نبىّ اللّه ، إبراهيم ، يدعوه إلى اللّه ، أنكر هذه الدعوة ، وجحد أن يكون في الأرض إله معه ، وجعل يلقى إلى إبراهيم بالحجج الدالة على ألوهيته ، وأهليته لتلك الألوهية ، بما في يده من سلطان بتصرف به كيف يشاء . . وكثرت بينه وبين إبراهيم المحاجّة والمناظرة . . وتخير القرآن الكريم من هذه المواقف مشهدين ، يلخصان القضية كلها ، ويضبطان محتواها ومضمونها . « قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ » ! هذا هو ربّ إبراهيم ، الذي يدين له ، ويدعو إليه . . هو الذي بيده الحياة والموت ، وهو الّذى أمات وأحيا . . فذلك أمر لا يشاركه فيه أحد ، ولا يدّعيه لنفسه مخلوق ، إلا أن يركب الحماقة والسّفه . وقد ركب هذا الجهول الحماقة والسفه وانطلق بلا عنان . . « قالَ : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ! ! » هكذا يقولها بملء فيه ! ولم يذكر من أين هو جاء ، ولا إلى أين هو يصير ؟ « أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً » ؟ ( 67 : مريم ) . ولم ير إبراهيم - إزاء هذا السّفه الوقاح - أن يقف عند هذا الجواب ، وأن يكشف باطل هذا الأحمق الجهول . . فقد يذهب بالرجل الحمق والجهل فيقول لإبراهيم : ألا تصدق ما أقول ؟ أتريد شاهدا ؟ أنت نفسك أنا الذي أحييه ، لأنى لا أريد قتلك ! وأنا أميتك لو أردت ! فهل تريد مصداق ذلك ؟ وقد يفعلها الرجل ولا معقّب عليه ! ! وتحاشى إبراهيم أن يدخل مع النمرود في هذا الجدل ، وأن يمد له في حبال السفسطة ، بل جاء إليه إبراهيم بما يخرسه ويفحمه ! « قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ » .